رسالة باهتة| وكالة وطن الإخبارية

رسالة باهتة

بعد غياب طويل لا مبرر له..تصل منه رسالة باهتة..باردة..يسأل فيها : " كيف انتي..هل انتي بخير..؟"

أمسك هاتفي طويلاً..أعيد قرائتها عشرات المرات..وكأنها عبارة صعبة الفهم أحاول تفسير معانيها..تنطلق من  صدري تنهيدة عميقة..ثم أبدأ بالكتابة..

" أنا لست بخير..غيابك يؤلمني كثيراً..هل فكرت يوماً كيف تمر الليالي في غيابك..بعد أن كانت كلماتك وضحكاتك وصوتك أنسي في وحدتي..
حاولت كثيراً التخلص من كل ما يذكرني بك..حذفت رسائلك من هاتفي ليتوقف عذابي بتكرار قرائتها مئات المرات ليلاً..حذفت صورك أيضاً..لأني تعبت من حفظ ملامح وجهك في الليالي التي لا تكون بها معي..لكني في الوقت الذي لا أكون به معك أكون اكتب فيه عنك..أو أحادث صديقتي المقربة لأشكوك لها ثم لا أسمح لها بالدعاء عليك..فتقفل الخط في وجهي وهي تنعتني بكل الشتائم التي يسعفها الوقت لقولها..
أعود لأسأل نفسي عن أسباب فراقنا فلا أجد شيئاً..أنت تغيب فجأة في كل مرة بدون عتاب..ولا شجار..فقط تختفي..تتلاشى وكأن شيئا لم يكن..
لتعود بعد أيام أو ربما أسابيع ؛تراها أنت قليلة وأراها سنيناً طويلة..تمر على قلبي كخريف أصفر..أو ربما شتاء لا نهاية له..
أتوهم في كل صباح بأنني تعافيت منك تماماً..حتى يأتي المساء فيصيب قلبي السقم؛ وكأنها الليلة الأولى لغيابك..
أطل على صفحتك الشخصية..أتصفح منشوراتك..أتابع تعليقات أصدقاءك وردودك عليهم..كم أنت لطيف هناك..مرح ؛ تمازحهم جميعاً بطريقة أفتقدها منك..
وحين غيرت صورتك الشخصية تغزلت الكثيرات بك..بعينيك..بإبتسامتك بطريقةٍ فظة بدون خجل..فأشعلن نار الغيرة في صدري..من باب الفضول أدخل صفحاتهن جميعاً..اتأمل صورهن..منشوراتهن..أحاول لبس قبعة المحقق لأكتشف إن كانت إحداهن هي من تحل مكاني في ليالي غيابك الطويلة..ألعن غبائي واعود أدراجي..أعود لكتاباتي الكثيرة عنك على صفحتي البائسة..
كم كنت أحب تخليد كل ذكرياتي معك ولم أجني من ذلك الآن غير الألم..أتتذكر منشوري الطويل الذي تحدثت به عن مشينا سوياً تحت المطر..كان يوماً رائعاً..رسمنا فيه مستقبلنا معاً لسنوات عديدة قادمة..اتتذكر تشابك أصابعنا..واحتضانك لكف يدي وكأنك تحتضنني..اتتذكر كيف كنت تتكلم متباهيا عن علاقاتك السابقة..وعن كل النساء اللواتي مررن على قلبك..ثم أخذت بيدي إلى شفتيك طابعاً على ظاهرها قبلة وعيناك تحتويني وانت تقول.."ثم جئتي انتِ وكنتِ مسك الختام..وبك تبت واهتديت"..اظنك نسيت كل تلك التفاصيل والذكريات والأحلام والأمنيات التي نسجنا خيوطها معاً..ولكنها جميعا يا عزيزي لم تتركني ولم أنسى..بل هي تتبعني في كل مكأن مهما اختبأت او انعزلت..تطاردني كشبحٍ مخيف في بيت مهجور..
أنا لست بخير..ولن أكون بخير طالما غيابك هذا يأبى أن ينتهي..طالما أنك تعود في كل مرة وانت على ثقة أن باب قلبي سيظل مفتوحاً لك دائماً..وأن بإمكانك الذهاب متى شئت والعودة كلما اشتهيت..أنا لست بخير طالما أنك ترحل في كل مرة وانت لا تمتلك الجرأة على وضع نقطة النهاية في حكايتنا بل تترك سطراً فارغاً وبارداً..
أنا لست بخير وأنا التي أحبتك بكل ما فيك من عيوب وخطايا وماضٍ ونساء ولم أكره فيك الا غيابك اللا مبالي..
أنا لست بخير ولن أكون الا حين أعود لحضنك وينتهي كل هذا العبث وأعدك بأن أغفر كل شيء ونعود من حيث انتهى بنا الطريق ذات ليلة..
كن معي ولي وأعدك بأني سأكون بخير"

توقفت عند هذا السطر..لم أضغط زر الإرسال..أعدت قرائتها كاملةً..تذكرت أنه لا يحب قراءة الرسائل الطويلة..أنه لا يحب العتاب..وأنه حتى وإن قرائها اما انه لن يكلف نفسه عناء الرد أساساً..أو انه سيكتفي بإرسال
 "لا تلوميني..لا تشعريني بالذنب..أو انت لا تفهمي"..
تذكرت بأنه لن يتأثر بكلمةٍ واحدة مما قلته له بالعكس فإنه سيصاب بالضجر من كلماتي المبتذلة..وانه لم يرسل رسالته يسألني عن حالي الا من باب لطف الجزار بعد أن يذبح أضحيته..تذكرت أن كل شيء انتهى فعلاً بدون أن نقول ذلك لبعضنا صراحة..وأن هذه الذكريات لم تعد تعيش الا في عقلي البائس وحدي..
تذكرت اني لابد أن اواصل الثبات امامه..فالحب لا يليق بنا بتاتاً..فهو مغرور ومكابر..وانا أمرأة لا تنحني..
بأنامل مرتعشة..وكحل أفسدته الدموع..تبسمت شفتاي بضحكة إستسلام..
حذفت ما كتبته كاملاً..ثم كتبت..

"أنا بخير..أنا في أفضل حالاتي كما لم أكن من قبل"

د. مشيرة ابو هاشم 

وكالة وطن الإخبارية

التعليقات

جاري التحميل
قم باضافة الاسم من فضلك قم باضافة البريد الالكتروني من فضلك قم بكتابة التعليق من فضلك حصل خطأ