يمنيون في بلاد الضباب (1)| وكالة وطن الإخبارية

يمنيون في بلاد الضباب (1)

  لندن: محمد جميح
في ليفربول المدينة الشمالية الغارقة في البرد والأمطار التي كانت لها شهرة مدوية كميناء بريطاني قبل أن تتلاشى أهميتها التجارية بفعل الضربات الجوية الألمانية، يقف على ساحلها الأطلسي نصب تذكاري لقتلى الحرب العالمية الثانية، وعلى النصب باللغة الإنجليزية أسماء آلاف القتلى ممن شاركوا في الحرب العالمية الثانية إلى جانب القوات البريطانية ضد النازية الألمانية، في حينها. وبين أسماء الأشخاص الذين يحملون أسماء: جون، وبول، وجوناثان، وبيتر، توجد أسماء مثل: عبد الله، ومحمد، وعلي، وصالح، وقاسم وغيرها من الأسماء العربية اليمنية التي سقط أصحابها ضحايا الحرب الألمانية ضد الإمبراطورية التي لا تغيب عها الشمس، تلك الحرب التي دمرت ليفربول إلا كنيسة قديمة سقط سقفها وأبقاها البريطانيون شاهدا على فداحة الحرب التي شهدها النصف الأول من القرن الماضي، معظم هذه الأسماء العربية ليمنيين من المهاجرين الأوائل إلى بريطانيا لم يبخلوا بدمائهم في معارك الدفاع عن الأرض التي انتموا إليها ولم تبخل عليهم هذه الأرض بالتكريم الممتد في ذاكرة الإنجليز وذاكرة الأطلسي على حد سواء.

في «البلاد التي تموت من البرد حيتانها» عاش اليمنيون وبقوا رغم الشتات والبرد يسافرون مع الحيتان في البحار ويعملون في مصانع الصلب في برمنغهام ومانشستر وشيفيلد وكاردف وساوث شيلدز وغيرها من مدن المهجر البريطاني.

تسير بنا الرحلة غربا إلى ليفربول، نسير حتى نصافح مياه المحيط الأطلسي المفتوح على الذكريات والحروب وأشجان اليمنيين. لليمنيين مع الشواطئ البريطانية حكايات يرويها الموج والسواحل الممتدة وسفن البخار المعبأة بالفحم والبضائع والحكايات. وكانت طلائع الهجرات اليمنية إلى بريطانيا قد وصلت في نهايات القرن التاسع عشر، حسب أغلب المؤرخين، عبر البحار، وعملوا في البحار معظم الأوقات، وحينما نزلوا إلى البر اتجهوا إلى مصانع السيارات والحديد والصلب يضخون فيها من عرقهم ووقتهم ودمائهم مع كثير من كتل الحديد وشواظ النار (مات الكثير منهم تحت مخالب آلات المصانع)، ومرض الكثير بسبب المكوث فترات طويلة في غرف الفحم أمام جبروت النار والدخان.

تقول الدراسات التي اهتمت بالمهاجرين اليمنيين في بريطانيا إن أوائل اليمنيين الذين وصولوا إلى المملكة المتحدة قد قدموا إليها في ستينيات القرن التاسع عشر 1860م، وما بعدها. وعليه؛ فإن الجالية اليمنية يمكن أن تعد أقدم الجاليات المسلمة في بريطانيا على الرغم من أنها اليوم ليست أكبر الجاليات المسلمة في المملكة المتحدة. وتذهب بعض التقديرات إلى أن عدد اليمنيين في المملكة المتحدة يتراوح بين 70000 و80000 يمني، أو بريطاني من أصل يمني.

يذكر الباحث محمد المسيبي أن أغلب المهاجرين اليمنيين الأوائل كانوا غير متزوجين، والمتزوجون منهم لم يجرؤوا على إحضار زوجاتهم إلى بريطانيا نظرا لعدم ثقتهم بالبقاء في المهجر أو لخوفهم على أسرهم من الذوبان في خضم المجتمع البريطاني الذي لم يكونوا بعد قد ألفوه في الموجات الأولى من الهجرة. ويذكر كذلك أن الكثير من اليمنيين تزوجوا إنجليزيات أو آيرلنديات، مما أدى إلى انتهاء العلاقة بالزوجة اليمنية في اليمن بالنسبة للذين كانوا متزوجين من المهاجرين.

وتذهب بعض الدراسات إلى أن أول مسجد أسس في بريطانيا قد أنشئ في مدينة كاردف، عاصمة مقاطعة ويلز، أنشأه بحارة يمنيون كانوا يجوبون البحر بين الهند وعدن وكاردف في خدمة السفن البخارية التي تعمل بالفحم الذي مثل أول فرصة عمل لليمنيين الذين ركبوا البحر قديما، ومع الزمن أصبح البحر وطنهم الممتد من مومباي إلى كاردف، هل كان اليمنيون يحلمون بوطن أجمل من هذا؟ وطن يمتد من شواطئ جاوة ومومباي إلى أرصفة الموانئ في ساوث شيلدز وليفربول، إنه بحق «وطن من ماء».

غير أن أهم مراكز تجمع اليمنيين في المهجر البريطاني يعد في مدينة برمنغهام في مقاطعة الوسط الإنجليزي، حيث اشتغل معظمهم في صناعة الصلب على اعتبار أن الأجيال الأولى من اليمنيين الذين وفدوا إلى المدينة لم يكونوا من أصحاب الكفاءات العلمية التي تؤهلهم إلى العمل مع البحرية البريطانية، ولذلك توجهوا إلى مهن شاقة جسديا، لكنها لا تحتاج إلى مجهود عقلي أو كفاءة علمية، حيث كانت الأولوية في وظائف البحارة تعطى لمن يجيدون القراءة والكتابة على الأقل.

وكان لمدينة كاردف نصيبها من هجرة اليمنيين، إذ وصل تعداد اليمنيين في عشرينات القرن العشرين إلى 1500 يمني كانوا حينها يمثلون نصف عدد أبناء الأقليات العرقية في المدينة في ذلك الوقت.

أما ليفربول فقد وصلها اليمنيون في مطالع القرن العشرين حيث بدأوا في الانتقال من البحر إلى البر، وبدأت المدينة تشهد مع مرور سنوات القرن المنصرم عددا متزايدا من المحلات الصغيرة (الدكاكين) التي يمتلكها اليمنيون، حيث لا تزال الجالية اليمنية في ليفربول من أكثر الجاليات اليمنية ممارسة للأعمال التجارية وامتلاكا للمحلات الصغيرة، وإن كان البعض قد دخل في ميادين أوسع على المستوى الاقتصادي.

أما لندن؛ فعلى الرغم من أنها العاصمة فإن وجود اليمنيين فيها يعد بنسبة أقل مقارنة بغيرها من المدن البريطانية، غير أن جالية يمنية يهودية توجد في إن دبليو لندن، وستامفورد إيل. حيث لا يزال اليهود اليمنيون، كغيرهم من أبناء الجالية اليمنية في بريطانيا، محتفظين بالعادات والتقاليد اليمنية، بما في ذلك مضغ القات وتدخين النارجيلة.

وتوجد كذلك جالية يمنية كبيرة في شيفيلد، بالإضافة إلى جاليات أخرى في مانشستر ونيو بورت وساوث شيلدز التي يرجع تاريخ وصول اليمنيين إليها إلى عام 1890م، وهي أول مدينة بريطانية شهدت أول إضراب أو أعمال شغب ومظاهرات سميت في ما بعد بـ«احتجاجات العرب» (Arab Riots)، قام بها البحارة العرب اليمنيون للمطالبة بالمساواة في حقوق العمالة بعد إحساسهم بعدم المساواة في هذه الحقوق مع البحارة البيض وذلك في عام 1919م في قصة شهيرة تحولت في ما بعد إلى فيلم وثائقي مثير عرض في أكثر من مدينة بريطانية.

وفي سنة 1977 زار ساوث شيلدز الملاكم العالمي المسلم محمد علي كلاي الذي عقد زواجه الإسلامي في مسجدها الذي يسمى «الأزهر» تيمنا بالأزهر الشريف في مصر، وقد التقى أعيان الجالية اليمنية هناك، وفي ما بعد تحولت قصة الزيارة إلى فيلم وثائقي تحت عنوان «ملك الجنوب» (The King of the South) أرخ للزيارة وأثرها على معنويات الجالية اليمنية والمسلمة بشكل عام في هذه المدينة من مدن الجنوب البريطاني.

بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تضاؤل العمل في السفن البخارية المعتمدة على الفحم، التي كانت المهنة الأولى التي امتهنها أغلب المهاجرين اليمنيين في بريطانيا، تحولت مراكز تجمع اليمنيين من مدن الموانئ البريطانية المناسبة لـ«حل وترحال» البحارة، واستبدل الكثير منهم مهنته بمهنة أخرى تمثلت في العمل بمصانع الحديد والصلب في مدن الوسط والشمال البريطاني، التي نهضت صناعة الحديد والصلب فيها على أكتاف المهاجرين اليمنيين الذين تحولوا إلى العمل فيها بعد كساد مهنة البحارة، إثر التحول من الاعتماد على الفحم في تسيير السفن إلى المحركات الحديثة.

وفي المصانع تبدأ قصة اليمنيين مع الحديد الذي ألانوه وشكلوه وعايشوا مراحل تكوينه سيارات ومعدات مختلفة، قصص عجيبة من المعاناة والصبر والكفاح. ولا يزال عدد من المعمرين من المهاجرين اليمنيين يعيش في مدن الشمال والوسط البريطاني، ولكل منهم قصة تستحق أن تروى..

يروي أحمد الملاحي (73 عاما) كيف كان شاهدا على مصرع عدد من زملائه عندما يقعون في الأفران الضخمة التي تصهر فيها كتل الحديد، وتختلط عظامهم ولحومهم بالحديد المذاب في مشاهد تراجيدية مرعبة. يواصل، مفتخرا: «عملنا أعمالا ما كان الإنجليز يقدرون عليها، وكنا في المصانع نعمل في الأماكن الأكثر خطورة أو التي نكون فيها أكثر عرضة للموت»، ويواصل بشيء من التأثر: «بنينا بريطانيا على أكتافنا، وقدمنا لها الكثير، وبريطانيا ما قصرت معنا، والحق يقال».

غير أن بعض المهاجرين اليمنيين في بريطانيا قد شدوا الرحال في رحلة عكسية إلى السعودية ودول الخليج العربي، وبعضهم هاجر إلى الولايات المتحدة، في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم نتيجة للأزمة التي عصفت بقطاع الصناعة في بريطانيا في ذلك الوقت.

* القتال في ليبيا

* يقول العم أحمد (85 عاما): «ركبت البحر من عدن إلى أديس قبل ستين سنة ومنها إلى مصر ثم إيطاليا، وقال لنا الطليان: معنا لكم شغل. قلنا: ما هو؟ قالوا: عسكرة في ليبيا. قلنا لهم تمام. وسافرنا ليبيا مع البحر ودربنا (النصارى) على السلاح، وقالوا تقاتلون معنا لصوص الصحراء، وخرجنا معهم وكنا في المقدمة والنصارى (الطليان) في المؤخرة، ونحن في الطريق هجم علينا (قطاع الطرق) وهم يصرخون: (الله أكبر) وصرخنا بدورنا: (الله أكبر على الكفار قطاع الطرق) ودارت معركة قصيرة فر الطليان بعدها وتركونا في المعركة، وطلع لنا (قطاع الطرق) مثل الجن من حفر حفروها تحت الأرض، وعرفنا في ما بعد أننا كنا نقاتل الثوار الليبيين الذين أسرونا وقالوا لنا: من وين جيتوا؟ (من أين أتيتم؟) قلنا: من اليمن. قالوا: كيف تقاتلون ضد إخوانكم مع الطليان؟ وقلنا لهم: والله ما لنا علم، قالوا لنا الطليان أننا سوف نقاتل (لصوصا وقطاع طرق)، وعسكرنا معهم من أجل الراتب». ثم يحكي كيف أن الثوار الليبيين أكرموهم في ما بعد وأوصلوهم إلى مصر، وأعطوهم من المال ما يكفي لإيصالهم إلى اليمن عن طريق البحر الأحمر. غير أنهم عندما وصلوا إلى أديس أبابا غيروا وجهتهم وعادوا أدراجهم. وهنا قاطعته: إلى أين؟ قال: «إلى البحور السبعة؟» قلت: كيف؟ قال: «يا ولدي والله لا يوجد بحر إلا وقد ركبه عمك أحمد، من الجابان (اليابان) إلى هونغ ونغ والهند وفرانس (فرنسا) وبلاد الجرمان (ألمانيا) والطليان وأميركا.. ووصلت بلاد الثلج اللي يسمونها آيسلاند وأبحرت من بنما، وبنما بلاد خِلقة (جميلة) وبناتها حلوات قوي».

* صلاة في المسجد الأقصى

* يقول قائد زاهر (82 عاما): «خرجت من اليمن وعمري يمكن عشرين سنة، لست متأكدا، ما كانوا يكتبون تواريخ الميلاد على أيامنا. ركبت البحر من عدن أسمرة ثم أديس (أديس أبابا) وكانت الحرب العالمية الثانية، كان الإنجليز يصبون علينا النار من الطيارات، وكنت أول مرة أرى طيارة في حياتي، يا ساتر! والخوف الذي كان في، واستمرت الحرب وهربنا من إثيوبيا على الأقدام لمدة ثلاثة أيام وصلنا خلالها إلى حدود السودان، وقابلنا الإنجليز وشغلونا عساكر لحراسة الجمال المسافرة إلى مصر، وسلموا لنا بنادق (أسلحة نارية). ومرة كنا مسافرين على ضفة النيل وخرجت لنا أسماك ضخمة من النهر، وكنت أول مرة أرى مثلها، وخفنا جدا، ولكني أطلقت عليها النار وأصبت واحدة والباقي هرب إلى النهر. قال لنا السودانيون في ما بعد إنها كانت تماسيح».

بعد ذلك، يتحدث العم قائد عن سفره إلى مصر، ورفض الإنجليز في مصر إعطاءه إقامة، بل أن الإنجليز «رحلونا إلى فلسطين». يقول: «عملت في حيفا ثلاث سنوات، ولقيت اليهود اليمنيين هناك. وقابلت يهودا من قريتي أعرفهم قبل سفرهم إلى فلسطين، ودعوني إلى الغداء، وبعد أن أكلنا العصيدة والأرز باللحم أعطوني القات الذي زرعوه هناك، وخزّنا (مضغنا أوراق القات) معا، وتذكرنا الحياة أيام زمان في القرية، وكانوا يحنون إلى اليمن رغم أن حياتهم في فلسطين أحسن.

وجاءت حرب العرب واليهود (1948)، وقلنا لعبد القادر الحسيني نريد سلاحا لكي نقاتل معكم، لكنه قال: (مثل ما تشوفوا ما عندن سلاح كافي)، وكان كل اثنين من العرب يشتركان في بندقية واحدة. وبعدها وصلنا القدس يوم الجمعة، وصلينا صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، ولقينا بعدها الملك الهاشمي (عبد الله بن الحسين) في قصره، وأكرمنا وأعطانا أوراق سفر أردنية، وقال: (أنتم اليمانية أصل العرب وأنا فخور بكم) وقال: (تريدون أن تجلسوا معنا في الأردن أهلا وسهلا أو أن ترجعوا إلى اليمن رجعناكم، أو تروحون مصر أو أوروبا سفرناكم وأعطيناكم مصاريف)».

ويضيف قائد زاهر: «اخترت أنا السفر إلى فرنسا، ومنها إلى لندن ثم شيفيلد التي اشتغلت فيها في مصنع لمدة ثلاثين سنة متواصلة، عرفت وعرفني كل العمال والمديرين، وكانوا يقولون لي: (مستر زاهر يو آر أ غود مان) أي أنت رجل جيد».

قلت لقائد: يا عم قائد.. هل اشتغلت في البحر مثل غيرك من اليمنيين؟

قال: «لا. ما كان عندي شهادات ولا أحد ساعدني من اليمنيين، حيث شغل البحر يحتاج تعليما، وأنا ما كان عندي الذي يريدونه».

سألته: كم صار لك في بريطانيا؟

قال: «خمسون سنة، أو أكثر». قلت هل تعلمت الإنجليزية؟

قال: «نعم، لكن نسيتها حينما تقاعدت، لأني لم أعد أمارسها، وجاءت زوجتي المغربية وتعلمنا المغربية (ضاحكا) ونسينا الإنجليزية بالكامل».

أما الحاج ناجي (76 عاما) فيقول مسترسلا: «مرت على رأسي الحرب العالمية الثانية، وحروب العرب واليهود وطفت بلاد العالم. واشتغلت في البحر (بحارا) ووصلت حيفا وغزة والإسكندرية ومالطا ومومباي وهونغ ونغ وبرلين ومرسيليا وكاردف وعشت في شيفيلد وليفربول، وعشت مع الفحم في السفينة سنوات طويلة، رأيت كل الأجناس، ولأني كنت بحارا كنت أتزوج وأطلق حسب ظروف السفر.. هل تصدق أن لي بنتا يابانية؟».

ويضيف: «يا ولدي الإنجليزيات حلوات، لكن الواحدة منهن ما تخلي فلوسك تحط (مبذرات) واليمنية تساير ظروفك، بس إنها مسكينة ما تهتم بنفسها».

قلت: من تفضل إذن؟

قال: «في الشباب فضلنا الإنجليزيات، وبعدما عقلنا رجعنا وتزوجنا عربيات. العربية تهتم بحالك ومالك، كل الذين تزوجوا إنجليزيات راحوا وانتهوا، وجاء عيالهم على أمهاتهم، لم يصبحوا عربا ولا صاروا إنجليزا».

ويخالفه الرأي أحمد الكندي (79 عاما) الذي يرى أن المرأة الإنجليزية أكثر تحضرا، وهو يذكر أن زوجته كانت مخلصة له إلى حد أنها تركت أهلها الذين عارضوا زواجها منه، كما عارضوا اعتناقها للإسلام. ويقول محمد الملاحي (71 عاما) (متزوج بآيرلندية): «لأن زوجتي متعلمة ومن هذا البلد، استطعت أن أدخل أولادي الجامعة، حيث وصلوا إلى أعلى المستويات، المشكلة معهم أنهم لا يتكلمون اللغة العربية لأن زوجتي لا تتكلم العربية»، وما عدا ذلك فإن الحاج محمد يرى أنه عاش مع زوجته حياة طيبة، وأن الأمر لا يتوقف على جنسية الزوجة أو ثقافتها، وإنما يعتمد على وجود تفاهم بين الزوجين من عدمه.

أما علي محمد (70 عاما)، فيقول: «تعبت من اللغة الإنجليزية، على الرغم من وجودي ما يقارب أربعين سنة في بريطانيا، قالوا لي لو تزوجت إنجليزية فسوف تتعلم الإنجليزية، وتزوجت إنجليزية وانتهت المعاناة، ليس لأني تعلمت الإنجليزية، بل لأن الزوجة تعلمت بسرعة اللغة العربية، وأصبحت كأنها من قريتي في اليمن».

وغير ذلك الكثير. غير أن جيلا آخر جاء مع الثمانينات كان على خلاف الآباء والأجداد، وهذا ما سنحاول التعرض له في الحلقة القادمة والأخيرة من هذا العرض لحياة جالية قال عنها تم سميث إنها «جالية مسافرة فوق الماء، كما سافر أسلافها على طريق البخور».

* لغة إنجليزية بلكنة يمنية

* للجيل الأول من اليمنيين حكاياتهم الطريفة في التعامل مع اللغة الإنجليزية. فبحكم أنهم ما أتوا لتعلم الإنجليزية أو غيرها من اللغات والعلوم، وإنما أتوا لطلب الرزق، فإنهم تعلموا الإنجليزية بالمشافهة والمحادثة والتخاطب اليومي مع البريطانيين في الشوارع أو المصانع أو الأماكن العامة، وبعضهم أخذ الإنجليزية عن زوجته التي كان لها الأثر الأكبر في إتقانه «الإنجليزية المحكية».

ومع ذلك فإن للجيل الأول من اليمنيين طريقته الخاصة في نطق بعض الكلمات والجمل الإنجليزية بما يتلاءم ولسانهم العربي أو لهجتهم اليمنية. وفي القاموس اليمني - الإنجليزي أو الإنجليزي – اليمني، سمه ما شئت، هناك مفردات ينطقها اليمنيون بشكل يحتاج إلى شرح وترجمة.

أذكر في هذا الخصوص أنني في بداية حياتي في بريطانيا كنت أسكن مع قاسم (70عاما) الذي كان يمن علي بأنه يتكلم الإنجليزية بشكل أفضل مني، لأنه أخذها من الإنجليز والإنجليزيات مباشرة، أما أنا فأدرسها - حسب رأيه - بطريقة مختلفة. وأذكر في السياق ذاته أن صديقا إنجليزيا زارني في السكن الذي كان يشاركني فيه العم قاسم الذي أراد أن يثبت لي أنه قادر على التخاطب مع الإنجليز (كنت دائم التشكيك في سلامة لغته الإنجليزية، وأقول له: يا عم قاسم ضيعت العربية وما تعلمت الإنجليزية)، فيرد ضاحكا: «أحسن من لغتك (يا أبو يمن)»، وتحدث العم قاسم إلى الصديق الإنجليزي بلغته الإنجليزية المضحكة، وكنت أكتم ضحكي وإعجابي في الوقت ذاته. غير أن الصديق قال لي أثناء المغادرة إنه لم يفهم كلمة واحدة من كلام الـ«أولد مان». ضحكت وقلت له: هذا أستاذي في اللغة الإنجليزية. فرد ضاحكا بشيء من المكر: «الآن اتضح لي لماذا ينقطع التواصل بيننا أحيانا».

ولليمنيين كما لبعض العرب في بريطانيا طرائقهم العجيبة في نطق بعض الكلمات والجمل الإنجليزية، ومن الكلمات الإنجليزية التي تنطق بلكنة يمنية:

لصبطان: Hospital - مستشفى.

وِنَد: Windows - شبابيك. (تم استعمال جمع التكسير في العربية لجمع الكلمة الإنجليزية).

أبواك: Books - كتب. (جمعت جمع تكسير) أدوار: doors - أبواب. (جمعت جمع تكسير) شــــــابـــــــــــات: Shops - دكـــــــاكـــين. (جمعت جمع مؤنث سالم) فَنيشه: Furniture - أثاث.

يأنشر: To make Insurance - يؤمن على (السيارة ونحوها)، فعل مضارع يبدأ بالياء حسب القواعد العربية.

سيِّف: To save - يقدم خدمة للزبون.

فيَّزوا له: They gave him a visa - أعطوه تأشيرة دخول.

وكالة وطن الإخبارية

التعليقات

جاري التحميل
قم باضافة الاسم من فضلك قم باضافة البريد الالكتروني من فضلك قم بكتابة التعليق من فضلك حصل خطأ