تبنَ قضية أو مشهداً آسراً.. لتكسب شعبوية ونفوذاً| وكالة وطن الإخبارية

تبنَ قضية أو مشهداً آسراً.. لتكسب شعبوية ونفوذاً

       
  تحليل - تواصيف المقبل

في سنة 1850م، شهد أوتو فون بسمارك الذي كان في الخامسة والثلاثين من عمره، وهو نائب في البرلمان البروسي "ألمانيا حالياً" نقطة تحول في حياته العملية، وكان موضوع الساعة آنذاك هو توحيد الدويلات العديدة بما فيها بروسيا التي كانت تنقسم إليها ألمانيا، وحرب ضد بروسيا الجارة الجنوبية القوية التي كانت تأمل في إبقاء الألمان ضعفاء ومتخلفين، بل وتهدد بالتدخل إن حاولوا أن يتحدوا وكان الأمير وليام ولي عهد بروسيا وملكها يؤيد شن الحرب، وقد التفّ البرلمان حول القضية وكان مستعداً لدعم أية تعبئة للقوات، وكان المعارضون الوحيدون آنذاك هم النمساويون.

وكان بسمارك طيلة حياته العملية مؤيداً مخلصاً لتوحيد ألمانيا ومؤيداً لشن الحرب على النمسا، وإذلال البلد الذي طالما حاول إبقاء ألمانيا مجزأة. لقد كان بسمارك جندياً يرى الحرب عملاً مجيداً وكان يقول: "إن أعظم مسائل زماننا لا تحسمها الخُطب والقرارات، بل الحديد والدم".

وعلى الرغم من أن بسمارك رجلاً وطنياً ومحباً للمجد العسكري، فقد ألقى خِطاباً في البرلمان في أوج حمى الحرب أذهل كل الذين استمعوا له. قال:" ويل للسياسي الذي يشن حرباً بدون سبب وتظل أسبابها قائمة وحقيقية بعد انتهاء الحرب! فبعد الحرب ستنظرون جميعاً إلى هذه المسائل بطريقة مختلفة، فهل ستجدون عندئذٍ شجاعة تمكنكم من النظر إلى الفلاح الذي يتأمل رماد مزرعته المحترقة، وإلى الرجل الذي صار مقعداً كسيحاً، والأب الذي فقد أولاده؟" ولم يكتفِ بسمارك بالاستطراد بالخطاب عن نتائج الحرب السلبية بل راح يمتدح النمساويين، بينما كان ضد ذلك كله.

وبعد بضعة أسابيع من ذلك الخطاب قام الملك عُرفاً منه بحديث بسمارك تأييداً للسلام، بتعيينه وزيراً في الحكومة وبعد سنوات ليست بالبعيدة صار رئيساً لوزراء بروسيا، وبذلك مسك زمام الأمور كلها حيث قاد بلده وملكه المُحب للسلام إلى حرب ضد النمسا – كما ذكر المُفكّر الإستراتيجي غرين في أحد مؤلفاته - فسحق الإمبراطورية النمساوية سحقاً مروّعاً وأقام دولة ألمانية عُظمى عن طريق توحيد الكيانات المستقلة من مناطق ألمانيا التي نراها اليوم.

هذا موقف بسيط من التاريخ يُشابه إستراتيجية اتبعها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في علاقته مع الشعوب العربية من جهة ومع إسرائيل من جهة أخرى، فلنفترض أن إردوغان هو بسمارك وأن العرب يمثلون الشعب الألماني، والنمسا تُمثل لتركيا "روسيا"، أما بروسيا الجنوبية التي ضد توحيد ألمانيا هي إسرائيل.

حسناً فلنعود إلى عجلة التاريخ للخلف، ففي عام 1850م كان شائعاً حينها قوة الخطابات لرجالات البلاط الملكي أو للقادة العسكريين والسياسيين والمؤثرين، فقد كان الأوروبيون حينها توّاقين لسماع الخُطب؛ لما كان هناك فوضى سياسية عارمة في الوسط الأوروبي، فاستغل بسمارك هذهِ المشاعر "وهو رجلٌ ذكي جداً" واستطاع بخطاب واحد أن يصل إلى منصب لم يكن يحلم به يوماً، كما أنه أجّل فكرة خوض الحرب مع النمسا ليس من أجل السلام بل لأنه كان يشعر بأن المؤسسة العسكرية البروسية لا تستطيع أن تدخل بمعترك الحروب مع الدول الأوروبية؛ لتأخُر الصناعة العسكرية آنذاك في جميع أرجاء ألمانيا، فهو يرى أنه لو دخل بحرب ضد النمساويين سوف يخسر لا محالة!.

فانشغل بسمارك في تقوية الجيش البروسي قبل وبعد إعلان الوحدة الألمانية، ولم يكن يعتمد على الصفقات الخارجية للأسلحة فحسب! بل طوّر من صناعة الأسلحة الألمانية داخلياً وشنّ الحرب بعد إعلان مسمى الدولة ككيان واضح ومُستقر ألا وهي "ألمانيا" وهكذا خدع بسمارك بلداً بأكمله بمن فيها بروسيا الجنوبية التي كانت ضد فكرة الوحدة الألمانية.

وكان إردوغان مُشابهاً لبسمارك من ناحية صياغة الخطابات والعزف على أوتار القضايا الحساسة لدى العرب، ولم يكتفِ الرئيس التركي بصياغة الخطابات، بل لخلق جمهور لها عن طريق استمالة "حزب الإخوان المسلمين" ويعتبر الحزب أكبر حركة معارضة سياسية في كثير من الدول العربية -حسب رؤية ساسة تركيا- وتتواجد الحركة بعدد من الدول التي كانت من أهمها بالنسبة لـ إردوغان "فلسطين".

ومن جهة أخرى إسرائيل التي تُمثل كما ذكرنا سابقاً "بروسيا الجنوبية" التي تعيش نظاماً حاكماً مُختلفاً عن بقية المناطق التي بجوارها، ففي فترة تطوير الجيش لم يُحاربها بسمارك بل استفاد منها عندما دخلت بأزمة حدود مع النمسا إثر مقاطعتي شليسفيغ - هولشتاين، حيث خاض حرباً استفاد من خلالها تطوير الجيش واستمالة البروسيين نحو فكرة الوحدة.

وهو الحال نفسه لتاريخ العلاقات التركية - الإسرائيلية ببداية الأمر وحتى الوقت الحالي هي علاقة لتطوير الجيش التركي خشيةً من تطور جارتها العدو اللدود "السوفييت "روسيا" حيث أصبحت إسرائيل هي المورد الرئيسي للسلاح لتركيا. وحققت حكومة البلدين تعاوناً مهماً في المجالات العسكرية، الدبلوماسية، الإستراتيجية، كما يتفق البلدان حول الكثير من الاهتمامات المشتركة والقضايا التي تخص الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، هل يسعى إردوغان أن يُعيد الهيمنة الإمبراطورية على الوطن العربي بمن فيه الكيان الإسرائيلي كما سعى بسمارك لضم بروسيا الجنوبية تحت نفوذه؟

فالجدير بالذكر أن تركيا وإسرائيل قد وقعتا على العديد من الاتفاقيات لعل أبرزها:

في عام 1958م وقتعا اتفاقية تعاون ضد التطرف ونفوذ الاتحاد السوڤيتي في الشرق الأوسط.

وفي عام 1986م عينت الحكومة التركية سفيراً كقائم بالأعمال في تل أبيب.

وفي عام 1991م تبادلت الحكومتان السفراء.

وفي عام 1996م وقعت حكومتا تركيا وإسرائيل اتفاقيات تعاون عسكري.

وفي مطلع عام 1998م وقعتا على تشكيل مجموعة أبحاث إستراتيجية مشتركة، ومناورات مشتركة، منها تدريب عروس البحر المعتمد عليها، وهي تدريبات بحرية بدأت في يناير 1998م. وتشتري جمهورية تركيا من إسرائيل العديد من الأسلحة وكذلك تقوم إسرائيل بتحديث دبابات وطائرات تركية.

وهي قائمة إلى الوقت الحالي في فترة حكم إردوغان، خاصة في مجال شراء الأسلحة والتجارة الحُرة بين البلدين، هذا إلى جانب إلقاء الخُطب الرنانة من العيار الثقيل لمسلمي العالم وخاصةً الأمة العربية، حول قضية القُدس ونصرتها وتأييد حزب الإخوان المسلمين الذي عبث بأنظمة الدول العربية لعقود، وهدد الأمن القومي لمختلف دول العالم العربي والإسلامي، بينما المملكة العربية السعودية التي لم تقيم أية علاقات دبلوماسية بينها وبين إسرائيل، كما دعمت القضية الفلسطينية منذ عهد مؤسسها "الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود" -رحمه الله-، فالدعم السعودي تعددت أوجهه منه ما هو دعم سياسي من خلال تبنيه لجميع القرارات الصادرة من المنظمات والهيئات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، كما شاركت المملكة في العديد من المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بحل القضية الفلسطينية ابتداءً من مؤتمر مدريد مروراً بخارطة الطريق ومبادرة السلام العربية، التي اقترحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز (ولي العهد آنذاك) -رحمه الله- وتبنتها الدول العربية كمشروع عربي موحد في قمة بيروت في مارس 2002م لحل النزاع العربي الإسرائيلي، والتي توفر الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة وتؤمن حلاً دائماً وعادلاً وشاملاً للصراع العربي الإسرائيلي.

كما بذلت المملكة جهوداً حثيثة واتصالات مكثفة مع الدول الغربية والصديقة والإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة التي تنص على الانسحاب الكامل من كافة الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967م. ومطالبتها الدائمة للمجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف الاعتداءات والممارسات الإسرائيلية العدوانية والمتكررة ضد الشعب الفلسطيني.

كما أدانت المملكة قيام إسرائيل ببناء الجدار العازل الذي يضم أراضي فلسطينية واسعة وتقدمت بمذكرة احتجاج لمحكمة العدل الدولية في لاهاي تدين فيها قيام إسرائيل ببناء جدار الفصل العنصري عام 2004م، وأقامت عدة مشروعات ومبادرات من أبرزها:

  • مشروع الملك فهد للسلام (المشروع العربي للسلام).

  • مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

كما قدمت المملكة الدعم المادي والمعنوي للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني منذ نشأة القضية الفلسطينية وذلك في إطار ما تقدمه من دعم سخي لقضايا أمتيها العربية والإسلامية. وفي هذا الصدد، قدمت المملكة تبرعاً سخياً في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم عام (1967م)، كما التزمت في قمة بغداد عام (1978م) بتقديـم دعـم مالي سنوي للفلسطينيين قدره (1,97,300,000) مليار وسبعة وتسعين مليوناً وثلاثمائة ألف دولار وذلك لمدة عشر سنوات (من عام 1979م وحتى عام 1989م)، وفي قمة الجزائر الطارئة (1987م) قررت المملكة تخصيص دعم شهري للانتفاضة الفلسطينية مقداره ستة ملايين دولار.

كما قدمت في الانتفاضة الأولى (1987م) تبرعاً نقدياً لصندوق الانتفاضة الفلسطيني بمبلغ (1,433,000) دولار، وقدمت مبلغ مليونين دولار للصليب الأحمر الدولي لشراء أدوية ومعدات طبية وأغذية للفلسطينيين.

وتعهدت المملكة بتمويل برنامج إنمائي عن طريق الصندوق السعودي للتنمية بلغ حجمـه (300) مليون دولار يهتم بقطاعات الصحة والتعليم والإسكان تم الإعلان عنه في مؤتمرات الدول المانحة خلال الأعوام 94، 95، 97، 1999م.

واستمر الدعم السياسي والمادي ما بعد الألفية الثانية حتى وقتنا الحالي، ويُعتبر دعم المملكة العربية السعودية للسلطة الفلسطينية الأكبر من بين مساهمة المانحين العرب.

بالإضافة إلى مبادرة المملكة في مؤتمر القمة العربي في القاهرة (2000م) باقتراح إنشاء صندوقين باسم صندوق الأقصى وصندوق انتفاضة القدس برأسمال قدره مليار دولار، وتبرعت بمبلغ (200) مليون دولار لصندوق الأقصى الذي يبلغ رأسماله (800) مليون دولار، وتبرعت بمبلغ (50) مليون دولار لصندوق انتفاضة القدس الذي يبلغ رأسماله (200) مليون دولار.

اهتمت حكومة المملكة بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، حيث قدمت المساعدات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين مباشرة أو عن طريق الوكالات والمنظمات الدولية التي تعنى بشؤون اللاجئين مثل الأنروا، ومنظمة اليونسكو، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبنك الدولي، والبنك الإسلامي. فضلاً عن ذلك كان هناك دعم شعبي خاصةً بعد حرب يونيو 1967م عملت المملكة على تشكيل اللجان الشعبية لمساعدة الشعب الفلسطيني حيث ساهمت ولا تزال تساهم في جمع التبرعات للشعب الفلسطيني من أبناء الشعب السعودي الذي تجاوب معها تجاوباً كبيراً، وقد بلغت إيرادات اللجنة الشعبية حوالي ملياري ريال سعودي، وقدمت المملكة في الانتفاضة الأولى عام (1987م) دعماً شعبياً بلغ أكثر من (118) مليون ريال، وفي الانتفاضة الثانية عام (2000م) قدمت المملكة دعماً سخياً بلـغ نحو (240) مليون ريال. هذا شطر من مواقف المملكة العربية السعودية، فيتفضل أحد من إخوتنا العرب الذين يمجدون الأتراك بكتابة سطر واحد عن مواقف الحكومة التركية منذ قيام إسرائيل على الأراضي الفلسطينية إلى يومنا هذا!. لن يستطيعوا، لأن المسألة ليست قضية فلسطين بل مسألة حزبية مُتطرَّفة بحتة، إنه صِراع، صِراع على الوجود على بقعة جغرافية مترامية الأطراف، إما أن أكون أو تكن أنت!، هذا هو أهم مبادئ الحزبية المُتطرِّفة والمؤدلجة، إما أن أسحقك أو تسحقني، لا يؤمنون بالحوار، لا يؤتمنون حتى بالعهد، عقيدة حديد ودم لكنها مُغلّفة بخطابات ترجمها إردوغان بطُرق برّاقة تُحاكي المشاعر المُتعطشة، وتستمد أسلحتها من إسرائيل كما فعل بِسمارك ذلك مع جنوب بروسيا ومع الشعب الألماني وكذلك النمسا التي كانت تُمثل الكيان الروسي لكن لم تسحقُه الحكومة التركية إلى الآن بل استطاعت أن تطور سلاحها لمجابهته. لكن الأهم والخُلاصة تدور حول الأداة المُسيّسة المؤدلجة التي امتد نفوذها لعدة دول عربية وإسلامية "حزب الإخوان المسلمين":

هل ستنتهي عند هذا الحد؟

أم ستستمر في إسقاط أنظمة عربية وإسلامية، كما أسقط غيرها؟.

وكالة وطن الإخبارية

التعليقات

جاري التحميل
قم باضافة الاسم من فضلك قم باضافة البريد الالكتروني من فضلك قم بكتابة التعليق من فضلك حصل خطأ